عبد الله الأنصاري الهروي
221
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
قوله : إبقاء على الإيمان ، أي يصبر عن المعصية ليبقى إيمانه سالما ، والإيمان هو التّصديق ، ولولا التّصديق بالعذاب لما صبر عن المعصية بمطالعة الوعيد . قوله : وحذرا من الحرام ، الحذر هو الاحتراز خوفا ، والحرام لا يخاف منه ، وإنّما يخاف من العقوبة عليه ، فعبّر بالحذر من الحرام عن الحذر من العقوبة عليه . قوله : وأحسن منهما الصّبر عن المعصية حياء ، يعني أن يصبر عن المعصية لأجل الحياء من اللّه تعالى ، وإنّما كان الصّبر عن المعصية حياء أحسن من الصّبر عن المعصية خوفا ، لأنّ الحياء شيم الأشراف والأحرار ، والخوف في العادة شيم العبيد والأشرار . وفيه معنى آخر ، وهو أنّ الحياء من اللّه تعالى يدلّ على حضور القلب معه ، وغيبته عن الحياء المذكور نظرا إلى العقوبة ، والخوف يدلّ على حضور القلب مع العقوبة لا مع اللّه تعالى ، فصاحب الحياء / حاضر مع اللّه تعالى ، وصاحب الخوف غائب ، لأنّه غير مراع جناب سيّده ، بل راعى حفظ نفسه ، فهو مع نفسه لا مع الحقّ تعالى ، فبين الحالتين بون ، وبذلك استحسن الشّيخ رحمه اللّه الصّبر عن المعصية حياء أكثر من استحسانه الصّبر عنها بمطالعة الوعيد ، وكلا المقامين يدلّ على قوّة الإيمان ، غير أنّ الحياء يدلّ على ما فوق الإيمان ، وهو مقام الإحسان ، ألا ترى إلى الحديث النبويّ « 2 » كيف إنّ مقام الإحسان هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، والحياء إنّما يكون أن يعبد اللّه كأنّه يراه ، ولولا ذلك لما
--> ( 2 ) أخرج البخاري في كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإسلام ، والإحسان ، وعلم الساعة ، وفيه : . . . قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنّه يراك .